ابن الجوزي
354
صيد الخاطر
ببعض الحقوق . وعندي خلة أرجو بها كل خير ، وهي أن من يصوم أو يصلي يرى أنه تعبد ، ويخدم كأنه يقضي حق المخدوم . وأنا أرى أني إذا صليت ركعتين فإنما قمت أكدي « 1 » فلنفسي أعمل ، إذ المخدوم غني عن طاعتي . وكان بعض المشايخ يقول : جاء في الحديث : الدعاء عبادة . وأنا أقول : العبادة دعاء « 2 » . فالعجب ممن يقف للخدمة يسأل حظ نفسه ، كيف يرى أنه قد فعل شيئا . انما أنت في حاجتك ، ومنة من أيقظك لا تقاومها خدمتك فأنا أقول كما قال الأول : يا منتهى الآمال أنت * كفلتني وحفظتني وعدا الزمان عليّ كي * يجتاحني فمنعتني فانقاد لي متخشعا * لما رآك نصرتني وكسوتني ثوب الغنى * ومن المطالب صنتني فإذا سكت بدأتني * وإذا سألت أجبتني وإذا شكرت زدتني * فمنحتني وبهرتني أو إن أجد بالمال فا * لأموال أنت أفدتني 314 - نقائض العلماء رأيت أكثر العلماء يتشاغلون بصورة العلم . فهمّ الفقيه التدريس ، وهمّ الواعظ الوعظ . فهذا يرعى درسه فيفرح بكثرة من يسمعه ، ويقدح في كلام من يخالفه ، ويمضي زمانه في التفكر في المناقضات ، ليقهر من يجادله ، وعينه إلى التصدر والارتفاع في المجالس . وربما كانت همته جمع الحطام ، ومخالطة السلاطين . والواعظ همته ما يزوّق به كلامه ويكثر جمعه ويجلب به قلوب الناس إلى تعظيمه ، فإن كان له نظير في شغله أخذ يطعن فيه . وهذه قلوب غافلة عن اللّه عز وجل ، إذ لو كانت لها به معرفة لاشتغلت به ، وكان أنسها بمناجاته ، وايثارها لطاعاته ، واقبالها على الخلوة به ، لكنها لما خلت من هذا تشاغلت بالدنيا وذاك دنيا مثلها .
--> ( 1 ) أي استجدي . ( 2 ) أيظن الأحمق انه جاء بأحسن من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والا فما له يعارضه ؟